الرياض : كتب اللواء م علي بن حسن الزهراني
أخطأ الحوثي حين ظنَّ أنَّ هدوء السعوديَّة ضعفٌ، وأنَّ صبرها تردُّد، وأنَّ مدَّ يدها للسَّلام يمكن أنْ يُقرأ على أنَّه تراجعٌ عن حماية أمنها، وحدودها، ومواطنيها. وهذه ليست المرَّة الأولى التي يقعُ فيها الحوثي في خطأ قراءة المملكة.
فالسعوديَّة، طوال سنوات الأزمة اليمنيَّة، لم تكن تبحث عن حربٍ مفتوحة، ولم يكن من مصلحتها أنْ يبقى اليمنُ ساحةًً للصراع والدَّمار. فاليمنُ جارٌ وشقيقٌ، وأمنه واستقراره جزءٌ من أمن الجزيرة العربيَّة كلها، وما يصيبُ شعبه من فقرٍ وانقسامٍ واضطرابٍ لا يمكن أنْ يكون مكسبًا للمملكة.
لكنَّ هناك فرقًا كبيرًا بين الرَّغبة في السَّلام، والعجز عن الرد، وبين ضبط النَّفس، والتَّفريط في الأمن الوطنيِّ.
لقد اختارت المملكةُ خلال السنوات الماضية، أنْ تمنح السياسة فرصتها، وأنْ تدعم الجهود الدوليَّة للوصول إلى تسوية تنهي معاناة الشعب اليمنيِّ. وفي الوقت ذاته، واصلت دعم اليمن اقتصاديًّا وإنسانيًّا وتنمويًّا، ومن أحدث الأمثلة اتفاقيَّة يونيو 2026، لتقديم مشتقات نفطيَّة بقيمة 150 مليون دولار لدعم تشغيل أكثر من سبعين محطَّة كهرباء في المحافظات اليمنيَّة.
هذه هي الصورة التي ربما لم يقرأها الحوثي جيدًا. فالسعوديَّة التي تدعم الكهرباء، والتنمية، والاستقرار في اليمن، هي ذاتها السعوديَّة التي تعتبر أمنَ حدودها ومدنها ومواطنيها خطًّا أحمرَ.
وعندما تتحوَّل الأراضي اليمنيَّة إلى منصَّات لإطلاق الصواريخ والطائرات المسيَّرة، وعندما يمتدُّ التهديد إلى الملاحة في البحر الأحمر، وباب المندب، فإنَّ القضية لم تعد خلافًا يمنيًّا داخليًّا، بل أصبحت تهديدًا للأمن الإقليميِّ وللمصالح الدوليَّة.
والحوثي يخطئُ مرَّة أخرى إذا اعتقد أنَّ انشغال السعوديَّة بالتنمية، ومشروعاتها الكُبرى، ورُؤية 2030 يجعلها أقل استعدادًا للدفاع عن نفسها. فالدولة التي تبني اقتصادها ومدنها ومستقبل أجيالها تصبح أكثر حرصًا، لا أقل حرصًا، على حماية مكتسباتها.
كما أنَّ المجتمع السعودي اليوم أكثر إدراكًا لطبيعة التحدِّيات المحيطة بوطنه. قد نختلف في تفاصيل كثيرة، لكن عندما يتعلَّق الأمر بأمن المملكة وسيادتها، فإنَّ المسألة تتجاوز الاختلافات والآراء إلى موقفٍ وطنيٍّ جامعٍ: أمن السعوديَّة ليس مجالًا للمساومة.
وفي المقابل، يجب ألَّا نخلط بين الحوثي واليمن. اليمنُ أكبر من الحوثي، والشعب اليمنيُّ ليس خصمًا للسعوديَّة. بين الشَّعبين روابط الدِّين، والجِوار، والتَّاريخ، والقَبيلة، والمُصاهرة، والمَصالح، ولهذا فإنَّ المصلحة السعوديَّة الحقيقيَّة لم تكن يومًا في يمنٍ ضعيفٍ أو ممزَّقٍ، وإنَّما في يمنٍ آمنٍ ومستقرٍّ، يستعيد دولته ومؤسساته، ويعيش شعبه بكرامة.
وهنا تكمن المفارقة: السعوديَّة تستطيع أنْ تكون اليد التي تساعد اليمن على البناء، وفي الوقت نفسه الدرع التي تحمي حدودها عندما تُستهدف. ومَن يقرأ الأولى، وينسى الثانية، يخطئ في قراءة السعوديَّة.
لقد أثبتت السنواتُ أنَّ الحروب لا تصنعُ مستقبل الشعوب، وأنَّ الصواريخ والطائرات المسيَّرة قد تصنع خبرًا عاجلًا، لكنَّها لا تبني دولةً، ولا توفِّر وظيفةً، ولا تفتح مدرسةً، ولا تشغِّل مستشفًى، ولا تعيد لليمنيِّ البسيط حياته التي أنهكتها سنوات الصراع.
ولهذا فإنَّ أمام الحوثي خيارًا ينبغي أنْ يكون واضحًا: أنْ يكون جزءًا من حلٍّ يمنيٍّ سياسيٍّ يُعيد لليمن أمنه واستقراره، أو أنْ يستمرَّ في مشروع التصعيد، ويتحمَّل تبعات خياراته.
أمَّا المملكة، فقد أصبح موقفها أكثر وضوحًا من أنْ يحتاج إلى تفسير: السَّلامُ خيارٌ، وحمايةُ الوطن واجبٌ. ومن يظنُّ أنَّ الأوَّل يُلغي الثاني، فإنَّه لم يفهم السعوديَّة بعد.
* ومضة: السعوديّة لا تبحثُ عن حربٍ في اليمن، لكنَّها لنْ تسمحَ بأنْ يتحوَّل اليمنُ إلى منصَّة حربٍ عليها. ومَن قرأ صبرَها ضعفًا، فقد أخطأَ في قراءةِ السعوديَّة.
