جدة كتب : ابراهيم الدوي
في زمنٍ قلّ فيه الوفاء، وتراجعت فيه بعض معاني البر، يبرز بيننا نموذجٌ مشرق يعيد للأذهان حقيقةً لا ينبغي أن تُنسى: أن ما يقدمه الأبناء لآبائهم، مهما عَظُم، لا يرقى إلى شيءٍ مما قدمه الآباء لأبنائهم.
أحد رجال جماعتنا ابتُلي بقصورٍ في وظائف الكلى، فصبر واحتسب، وكتم ألمه، متجلّدًا لا يُظهر ضعفًا، وكأنما يُخفي وجعه عن من حوله حتى لا يثقل عليهم. مضى على ذلك وهو بين الصبر والتوكل، حتى أكرمه الله بثمرةٍ من ثمار بره وتربيته.
ابنٌ صالح، لم يتردد، ولم يحسبها حساب تضحية، بل رآها واجبًا لا يقبل التأجيل، فبادر بالتبرع بإحدى كليتيه لوالده، في موقفٍ يجسد أسمى معاني البر والوفاء.
وإن كنا نقول إن هذا العمل عظيم، فهو في ميزان البر أقل مما يستحقه الوالدان، ولكنه في واقعنا اليوم يُعد من أندر صور الوفاء، بل من أرفعها قدرًا وأصدقها دلالة.
الابن حسن ضيف الله قدّم درسًا حيًا، ليس بالكلام، بل بالفعل، بأن البر ليس شعورًا يُقال، بل موقفًا يُصنع، وتضحية تُقدَّم عن رضا ومحبة.
نقول له: شكرًا بقدر ما صنعت، وإن كان الشكر لا يفيك حقك، ونسأل الله أن يجزيك خير الجزاء، وأن يجعل ما قدمت في ميزان حسناتك، وأن يلبس والدك ثوب الصحة والعافية، ويمدّه بطول العمر على الطاعة.
مثل هذه المواقف لا تُروى للإشادة فحسب، بل لتكون نبراسًا يُهتدى به، وقدوةً تُحتذى، وتذكيرًا بأن البر لا يزال حيًا في نفوسٍ صادقة.
والله الهادي إلى سواء السبيل وبه نستعين
